عندما تحطمت سيارة الأميرة ديانا في 31 أغسطس 1997، عاش العالم صدمة كبرى لم يفق منها سريعًا، إذ لم تكن ديانا مجرد فرد في عائلة ملكية شهيرة؛ بل كانت بالنسبة إلى الملايين حالة استثنائية تفصلها مسافات عن جمود القصر؛ كانت أكثر دفئًا وإنسانية وقربًا من الناس، ولهذا السبب أحبها العالم.
ورغم أن جنازتها حظيت بمتابعة مليارية، فإن مشاعر الحزن والانكسار سرعان ما تحولت إلى شكوك وتساؤلات؛ إذ بدأت التفاصيل المحيطة بالحادث تبدو غير متطابقة في نظر الكثيرين، مما فتح الباب على مصراعيه للتكهنات: هل كان الأمر مجرد حادث سير مأساوي، أم أن هناك أيدٍ خفية وراء الكواليس؟ والحقيقة أن قصة الأميرة ديانا تميزت بغزارة نظريات المؤامرة التي نُسجت حولها، والتي لا يزال بعضها يثير الجدل حتى يومنا هذا. نستعرض من خلال هذا المقال أبرز هذه النظريات وما آلت إليه التحقيقات الرسمية:
تورط القوات البريطانية الخاصة (SAS)
في مرحلة ما، ظهرت نظرية مؤامرة تتعلق بوحدة القوات الخاصة البريطانية (SAS)، وقد تفاقمت هذه النظرية بعد أن زعمت امرأة تُعرف فقط باسم “سارة” أن زوجها السابق، وهو قناص يُلقب بـ”الجندي ن”، كان متورطًا بطريقة ما في وفاة ديانا. وبحسب روايتها، استخدم جندي من القوات الخاصة البريطانية وميضًا ساطعًا لإبهار السائق عند دخول السيارة إلى نفق بونت دالما، مما تسبب في الحادث المميت.
يبدو الأمر وكأنه مقتبس من رواية تشويق، ولعل هذا ما دفع الناس إلى تمني تصديقه، لكن في ذلك الوقت، خلص التحقيق الرسمي إلى أن سائق ديانا فقد السيطرة على السيارة قبل دخولها النفق. وفي النهاية، بدت نظرية القوات الخاصة البريطانية قصة مثيرة، لكنها تفتقر إلى أي أساس.

العائلة المالكة وراء الحادث
تُعد هذه الفرضية من أشهر النظريات المتداولة، ويرجع ذلك في الغالب إلى ارتباطها المزعوم بأقوال ديانا نفسها؛ فقد كشف كبير خدمها السابق، بول بوريل، عن رسالة كتبتها ديانا زعمت فيها أن زوجها كان يخطط لـ”حادث” يتعلق بسيارتها، وذلك على ما يبدو لتمهيد الطريق أمام زواج تشارلز من تيغي ليغ بورك، التي كانت على علاقة وثيقة بالأميرين ويليام وهاري.
وتبدأ هذه النظرية بالانهيار عند التدقيق فيها؛ إذ لم يجد التحقيق الرسمي أي دليل على علم تشارلز بالرسالة أو نيته التسبب في الحادث، كما اعترف بوريل لاحقًا بأنه أدرج بعض العناصر المضللة في شهادته، مما أثر سلبًا على مصداقية القصة. وهكذا، دُحضت هذه النظرية رسميًا، لكن لا يزال البعض يعتقد أنها واردة.

وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) دخلت على الخط
في عالم المؤامرات، لا تكتمل القصة ما لم يوضع اسم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الحسبان، حيث اعتقد فريق من المشككين أن الحادث لم يكن شأنًا عائليًا داخليًا، بل عملية دولية معقدة، وزعم أصحاب هذا الرأي أن السلطات البريطانية نسقت مع الاستخبارات الأمريكية لتنفيذ العملية على الأراضي الفرنسية.
يُقال إن جون ماكنمارا، رئيس أمن هارودز، حقق في الأمر نيابة عن محمد الفايد، لكن التحقيق لم يُسفر عن أي نتائج ملموسة. وبطبيعة الحال، رفضت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية هذه الاتهامات، وخلص التحقيق الرسمي إلى عدم وجود أي دليل على تعاون بين أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية.

اتهامات محمد الفايد للأمير فيليب
كان محمد الفايد، والد دودي الفايد الذي توفي مع ديانا في حادث تحطم السيارة، من أبرز الأصوات التي روّجت لنظريات المؤامرة، حيث أعلن محمد صراحة أن ديانا كانت حاملًا وتعتزم الزواج من ابنه، ثم وجّه أصابع الاتهام إلى الأمير فيليب، الذي زُعم أنه كان معارضًا لفكرة أن يصبح رجل مسلم مصري بمثابة زوج أم للأميرين ويليام وهاري.
ولأن الاتهامات الخطيرة تتطلب أدلة، ولم يكن لدى محمد أي دليل عليها، لم يجد التحقيق الرسمي الذي أُجري عام 2008 أي دليل يدعم نظرية المؤامرة هذه، وخلص إلى أن لا الأمير فيليب ولا أي شخص آخر مذكور بالاسم قد دبر مقتل ديانا.

المصورون المتطفلون هم من فعلوها
من بين جميع الفرضيات، تبدو هذه النظرية هي الأقرب إلى الواقع والمنطق، فلا يمكن لأحد أن ينكر الدور الفوضوي الذي لعبه مصورو المشاهير في اللحظات الأخيرة من حياة ديانا؛ فقد حاصروها لسنوات للحصول على لقطة حصرية، وذهبت بعض الآراء إلى أن هؤلاء المصورين لم يكونوا مجرد متطفلين، بل تسببوا عمدًا في مضايقة السيارة ودفعها للارتطام.
وعلى الرغم من منطقية الفرضية نظرًا للشراسة المعروفة عن قطاع الصحافة الصفراء، فإنها تفتقر إلى دليل يثبت وجود تنسيق مسبق لافتعال الحادث. فطبيعة عمل تلك الصحافة تقوم على التنافس الشرس والأناني للفوز باللقطة، وليس العمل الجماعي المنظم. ومع ذلك، هناك وجهة نظر تؤكد أنه رغم أن المصورين لم يتسببوا في الحادث بشكل مباشر، فإن مطارداتهم المستمرة شكلت ضغطًا نفسيًا هائلًا طارد الأميرة حتى أنفاسها الأخيرة.

في النهاية، ورغم مرور العقود وإغلاق ملفات التحقيق الرسمية التي أكدت أن الحادث نجم عن سرعة زائدة ووقوع السائق تحت تأثير الكحول، فإن أميرة القلوب ترفض أن تغادر ذاكرة التاريخ كضحية حادث سير عادي؛ إذ ستبقى تفاصيل تلك الليلة في باريس مادة خصبة للقصص، لتثبت ديانا، حتى بعد رحيلها، أنها كانت شخصية غير عادية، عصية على النسيان.
