بصفة شخصية؛ أحب فترة التسعينات كثيراً خاصة فيما يخص السينما والتلفزيون، حيث قضيت أمام الشاشة الفضية الصغيرة في بيتنا الدافئ الكثير من الوقت بصحبة العديد من الأعمال الفنية والمميزة، ويمكن القول أن هذا الأمر لا ينطبق علي فحسب، إذ تُعد فترة التسعينيات في الوجدان العربي أكثر من مجرد عقد زمني؛ إنها المرحلة الانتقالية الحاسمة التي شكلت ملامح الترفيه المعاصر، وخلال هذه المرحلة الذهبية، تقاطعت كلاسيكية العمالقة مع طموح الشباب، وظهرت الفضائيات لتنقل النجم العربي من حدود المحلية إلى فضاء الوطن العربي الكبير، ومن خلال هذا المثال سوف نذهب معًا في رحلة ممتعة نعود فيها إلى الماضي حتى نكتشف ملامح ذلك الزمن الجميل.
السينما المصرية: من “الزعيم” إلى “ثورة السينما الشبابية”
عاشت سينما التسعينيات والسينما المصرية تحديداً تحت سطوة أسماء رنانة، لكنها شهدت في منتصفها وما بعدها انقلاباً فنياً شاملاً، في البداية كان ألمع النجوم هم:
أحمد زكي (الإمبراطور): كان في أوج عطائه الفني خلال حقبة التسعينات حيث قدم أعمالاً فنية تُدرس مثل “ناصر 56″ و”أرض الخوف” و”البيضة والحجر” وغيرها من الأعمال السينمائية المميزة حيث استطاع زكي أن يجسد ببراعة منقطعة النظير روح الإنسان العربي.
عادل إمام (الزعيم): حافظ عادل إمام على عرشه بذكاء، محولاً بوصلته نحو السينما السياسية والاجتماعية وذلك بالتعاون مع وحيد حامد وشريف عرفة، وقد قدم الزعيم العديد من الأعمال الفنية التي حُفرت في وجدان الشعوب مثل فيلم “الإرهاب والكباب” و”المنسي” و”طيور الظلام” وغيرها من الأعمال الأخرى.
نجمات الشباك: تربعت نادية الجندي ونبيلة عبيد ويسرا على قمة الإيرادات بأفلام الجاسوسية والقضايا الاجتماعية الشائكة.

وفي عام 1998، حدث التحول الكبير بفيلم “صعيدي في الجامعة الأمريكية”، ليعلن محمد هنيدي رفقة جيل جديد مثل أحمد السقا، منى زكي، هاني رمزي نهاية عصر وبداية عصر “السينما الشبابية” التي اعتمدت على الكوميديا السريعة والإيقاع الخفيف.
وأثناء انتشار السينما التجارية في مصر، كانت دول المغرب العربي مثل تونس والمغرب والجزائر تقدم سينما “المؤلف” التي تحصد الجوائز الدولية، مركزة على قضايا الهوية والحرية والمرأة، ومن أهم تلك الأعمال فيلم “صمت القصور” (1994) للمخرجة التونسية مفيدة التلاتلي، والذي قدم للعالم النجمة هند صبري. ومن المغرب برزت أفلام تتناول سنوات الرصاص والقضايا الاجتماعية الشائكة.


الدراما التلفزيونية: زمن الملاحم الإنسانية
إذا كانت السينما قد شهدت تحولات، فإن التلفزيون في التسعينات عاش عصره الذهبي الحقيقي؛ حيث اجتمعت كوكبة من الكتاب مثل أسامة أنور عكاشة، والمخرجين مثل إسماعيل عبد الحافظ وجمال عبد الحميد، لصناعة أعمال فنية مميزة لا تزال تسكن الذاكرة، ومن أهم تلك الأعمال:
ليالي الحلمية: التي استكملت أجزاءها في التسعينيات، مؤرخة للتاريخ المصري عبر صراع “سليم البدري” وسليمان غانم”.

ذئاب الجبل والضوء الشارد: الأعمال التي نقلت صعيد مصر إلى الشاشة بروح واقعية وصراعات طبقية وإنسانية عميقة، وصنعت نجومية طاغية لـ عبد الله غيث وأحمد عبد العزيز وممدوح عبد العليم.


الدراما السورية: شهدت التسعينيات بزوغ نجم الدراما السورية بقوة، فخلال هذه الحقبة شاهدنا العديد من المسلسلات السورية المميزة مثل الزير سالم، وملوك الطوائف، وغيرها.

الدراما الخليجية: في التسعينيات، كانت الكويت هي المركز الثقافي للفن الخليجي، حيث تميزت الدراما هناك بالجرأة في طرح القضايا الاجتماعية والسياسية بعد حرب الخليج، ومن أهم المسلسلات الخليجية التي تركت علامة فارقة مسلسل “طاش ما طاش” ومسلسل “خالتي قماشة”
أين هم الآن؟ مآلات النجومية
بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، تباينت مصائر هؤلاء النجوم بين الاستمرار، الاعتزال، أو الرحيل المؤلم:
- الرحيل الباقي: فقدت الساحة الفنية قامات عملاقة لا يمكن تعويضها مثل أحمد زكي، نور الشريف، محمود عبد العزيز، وصلاح السعدني. ورغم رحيلهم، لا تزال أعمالهم تتصدر نسب المشاهدة عند إعادة عرضها.
- أيقونات مستمرة: لا تزال يسرا وليلى علوي وإلهام شاهين حاضرات بقوة، لكنهن انتقلن من أدوار “البطلة الشابة” إلى أدوار “الأم” أو “المرأة القوية” والمؤثرة، مع الحفاظ على مكانتهن كأيقونات للموضة والفن، بالإضافة إلى ذلك، لا يزال الزعيم عادل إمام حاضرًا بقوة وأحيانًا يطل على الجمهور العربي خلال الماراثون الرمضاني
- جيل الكوميديا: لا يزال محمد هنيدي وأحمد السقا وكريم عبد العزيز إلى يقودون شباك التذاكر وينافسون جيل الألفية الجديدة، مع توجه ملحوظ نحو المنصات الرقمية مثل شاهد ونتيفلكس.
- الغياب والاختيار: فضل البعض الابتعاد عن الأضواء تماماً، مثل الفنانة عبلة كامل التي تحولت إلى “أيقونة صامتة” يعشقها الجمهور رغم غيابها، أو جيهان نصر التي اعتزلت الفن في قمة نجوميتها.

في النهاية، يمكن القول أن نجوم التسعينيات لم يكونوا مجرد وجوه تطل على الشاشة، بل كانوا شركاء مهمين في تشكيل وعي جيل كامل، حيث إن إنتاجهم الفني اتسم بالعمق رغم بساطة الإمكانيات التقنية آنذاك، ما جعل أعمالهم “كلاسيكيات حديثة” عصية على النسيان، وخلال يومنا هذا، وبينما تتسارع التقنيات، يبقى سحر التسعينيات هو الملاذ لكل باحث عن الفن الحقيقي الذي يجمع بين المتعة والرسالة.
